سيد قطب

2552

في ظلال القرآن

وفي قولهم : إنها أساطير الأولين إشارة إلى بعدها في الزمان ؛ فلا يعلمها محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلا أن تملى عليه من حفاظ الأساطير ، الذين ينقلونها جيلا عن جيل . لذلك يرد عليهم بأن الذي يمليها على محمد أعلم من كل عليم . فهو الذي يعلم الأسرار جميعا ، ولا يخفى عليه نبأ في الأولين والآخرين : « قُلْ : أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » . . فأين علم حفاظ الأساطير ورواتها من ذلك العلم الشامل ؟ وأين أساطير الأولين من السر في السماوات والأرض ؟ وأين النقطة الصغيرة من الخضم الذي لا ساحل له ولا قرار ؟ ألا إنهم ليرتكبون الخطيئة الكبيرة ، وهم يدعون على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - تلك الدعوى المتهافتة ؛ ومن قبل يصرون على الشرك باللّه وهو خلقهم . . ولكن باب التوبة مع ذلك مفتوح ، والرجوع عن الإثم ممكن ، واللّه الذي يعلم السر في السماوات والأرض . ويعلم ما يفترون وما يكيدون ، غفور رحيم : « إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً » . . . ثم يستطرد في عرض مقولاتهم عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - واعتراضاتهم الجاهلة على بشريته ، واقتراحاتهم المتعنتة على رسالته : « وَقالُوا : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ؟ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ! أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها . وَقالَ الظَّالِمُونَ : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً . انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا . تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً » . . ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ؟ ما له بشرا يتصرف تصرفات البشر ؟ إنه الاعتراض المكرور الذي رددته البشرية عن كل رسول ! كيف يمكن أن يكون فلان ابن فلان ، المعروف لهم ، المألوف في حياتهم ، الذي يأكل كما يأكلون ، ويعيش كما يعيشون . . كيف يمكن أن يكون رسولا من عند اللّه يوحى إليه ؟ كيف يمكن أن يتصل بعالم آخر غير عالم الأرض يتلقى عنه ؟ وهم يرونه واحدا منهم من لحم ودم . وهم لا يوحى إليهم ، ولا يعرفون شيئا عن ذلك العالم الذي يأتي منه الوحي لواحد منهم ، لا يتميز في شيء عنهم . والمسألة من هذا الجانب قد تبدو غريبة مستبعدة . ولكنها من الجانب الآخر تبدو طبيعية مقبولة . . لقد نفخ اللّه من روحه في هذا الإنسان ؛ وبهذه النفخة الإلهية تميز وصار إنسانا ، واستخلف في الأرض . وهو قاصر العلم ، محدود التجربة ، ضعيف الوسيلة ، وما كان اللّه ليدعه في هذه الخلافة دون عون منه ، ودون هدي ينير له طريقه . وقد أودعه الاستعداد للاتصال به عن طريق تلك النفخة العلوية التي ميزته . فلا عجب أن يختار اللّه واحدا من هذا الجنس ؛ صاحب استعداد روحي للتلقي ؛ فيوحي إليه ما يهدي به إخوانه إلى الطريق كلما غام عليهم الطريق ، وما يقدم به إليهم العون كلما كانوا في حاجة إلى العون . إنه التكريم الإلهي للإنسان يبدو في هذه الصورة العجيبة من بعض جوانبها ، الطبيعية من البعض الآخر . ولكن الذين لا يدركون قيمة هذا المخلوق ، ولا حقيقة التكريم الذي أراده اللّه له ، ينكرون أن يتصل بشر باللّه عن طريق الوحي ؛ وينكرون أن يكون واحد من هؤلاء البشر رسولا من عند اللّه . يرون الملائكة أولى بهذا وأقرب : « لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً » . واللّه قد أسجد الملائكة للإنسان بما أودعه من